الخرطوم: 28/7/2026م
في خطوةٍ استراتيجيةٍ بارزة نحو ترسيخ دعائم الاستقرار المجتمعي ومواكبة مرحلة ما بعد الحرب، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم فعاليات تدشين مصفوفة الدورات التدريبية المتخصصة للقيادات المجتمعية والدينية لدعم التعافي وإعادة الإعمار، والتي تنظمها جامعة السودان المفتوحة برعاية وتشريف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأستاذ الدكتور أحمد حسن مضوي موسى، وبحضور رفيع المستوى ضم مديري الجامعات، وقادة القوات المسلحة والقوات المساندة، وممثلي الإدارات الأهلية والطرق الصوفية، إلى جانب جمعٍ غفيرٍ من قيادات الفكر والرأي والعمل المدني.
وتأتي هذه المبادرة الوطنية في توقيتٍ مفصلي تمر به البلاد، حيث تسعى مؤسسات التعليم العالي إلى الاضطلاع بدورها الأصيل في الوظيفة الثالثة المتمثلة في خدمة المجتمع، إلى جانب التدريس والبحث العلمي، لا سيما في الإسهام في ترميم النسيج الاجتماعي الذي تأثر جراء الحرب، ومحاربة خطاب الكراهية، وتعزيز قيم المواطنة والتعايش السلمي.
وفي كلمته، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأستاذ الدكتور أحمد حسن مضوي موسى، صدور قرار نهائي لا رجعة فيه يقضي بعودة جميع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي العاملة خارج السودان أو في مراكز النزوح إلى مقارها الأصلية بولاية الخرطوم، في موعد أقصاه الأول من أغسطس المقبل، دون أي استثناء، وذلك في إطار تطبيع الحياة التعليمية واستئناف النشاط الأكاديمي بمؤسسات التعليم العالي.
وأكد الوزير أهمية توسيع مظلة الدورات التدريبية المجتمعية التي ابتدرتها جامعة السودان المفتوحة، موجهاً بتمديد وتوسيع خطط التدريب لتصل إلى (100) ألف متدرب بمختلف ولايات السودان، بالتعاون مع جميع الجامعات السودانية. وأشار إلى أن جهود الإعمار والتنمية تسير جنباً إلى جنب مع الانتصارات العسكرية الميدانية التي تحققها القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرون في معركة الكرامة.
من جانبه، ألقى مدير الجامعة، البروفيسور عبد الخالق فضل رحمة الله، الضوء على الجهود التي بذلتها الجامعة لضمان استمرار العملية التعليمية رغم التحديات والدمار اللذين لحقا بالبنى التحتية الأكاديمية. وأوضح أن الجامعة عملت على تطوير حلول بديلة على المستويين التقني والتعليمي بعد أن فقدت أصولها التقنية، وشملت توفير أجهزة الحاسوب اللوحي (Tablet)، واعتماد تقنيات الاتصال عبر Starlink للفروع المختلفة. وأضاف أن الجامعة تدشن اليوم مشروعاً لتنفيذ دورات تدريبية متخصصة تستهدف أكثر من خمسة آلاف متدرب في مختلف أنحاء السودان، بمختلف انتماءاتهم، بهدف توحيد الصف الوطني وخدمة قضايا التنمية والبناء.
من جانبه، قدم خبير التخطيط الاستراتيجي في السودان، البروفيسور محمد حسين أبو صالح، رؤيةً متكاملة حول ضرورة إرساء قواعد التخطيط الاستراتيجي المعرفي، مشدداً على أن التعافي الوطني لا يتحقق بالحلول المؤقتة، بل يتطلب إصلاحاً هيكلياً وفكرياً يعيد صياغة الوعي الجمعي، ويؤسس لحكم راشد يبدأ من المناهج التعليمية، وبناء الإنسان نفسياً وأخلاقياً واجتماعياً. كما دعا إلى توسيع مظلة الدورات التدريبية المجتمعية لتشمل عشرات الآلاف من الكوادر المؤثرة، بالتعاون مع جميع الجامعات السودانية.
وخلال كلمته، أكد الشيخ موسى هلال أهمية هذه المبادرة في هذا التوقيت المفصلي الذي تمر به البلاد جراء آثار الحرب، التي خلفت جراحاً عميقة وتفككاً في البنية الاجتماعية. وأشاد بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والقوات المشتركة والمساندة في معركة الكرامة، مشدداً على أن الخروج الآمن من الأزمة يتطلب العودة إلى منارات العلم والمعرفة، وتأهيل القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية بوصفهم صمام الأمان في معالجة النزاعات، ونبذ خطاب الكراهية، وترميم النسيج الاجتماعي، مؤكداً دعمه الكامل لمبادرة جامعة السودان المفتوحة في تعزيز قيم التعايش السلمي وبناء الوطن.
كما أكد ممثل الطرق الصوفية، الشيخ عبد الوهاب الكباشي، الأهمية القصوى لهذا المشروع في هذه المرحلة التاريخية، مشيراً إلى أن الإدارات الأهلية والطرق الصوفية تمثل صمام الأمان التاريخي للمجتمع في حفظ السلم الأهلي وحل النزاعات، مؤكداً دعمه الكامل لمبادرة جامعة السودان المفتوحة في ترسيخ السلام الاجتماعي ونبذ الفرقة والشتات.
وفي كلمة الاتحاد العام للطلاب السودانيين، التي ألقاها الأستاذ عادل، جرى استعراض التضحيات الجسام التي قدمها طلاب السودان في معركة الكرامة دفاعاً عن الوطن ومؤسساته التعليمية، مؤكدين جاهزية الطلاب للانتظام في مقاعد الدراسة، والاصطفاف خلف مسيرة البناء والإعمار، وبناء القدرات القيادية، وتمكين القيادات الدينية والأهلية بأحدث أدوات الإدارة الحديثة وفض النزاعات، ومكافحة خطاب الكراهية، وتفكيك النعرات الجهوية والعنصرية، ونشر ثقافة الحوار وقبول الآخر.
كما أكد المتحدث أهمية دعم مسيرة التعافي من خلال تحويل الطاقات المجتمعية إلى مبادرات ذات أثر مستدام تسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني، مشدداً على ضرورة الربط بين التعليم والمجتمع، وتفعيل دور مؤسسات التعليم العالي في معالجة المشكلات الواقعية التي تواجه المجتمع السوداني.
واختتمت الفعاليات بالتأكيد على أهمية تضافر الجهود الرسمية والشعبية والأكاديمية لمواجهة آثار الحرب، وسط إجماع وطني على أن البناء والإعمار ورتق النسيج الاجتماعي يمثلان الوجه الآخر لانتصار الإرادة السودانية في معركة الكرامة، لتنطلق الجامعات السودانية مجدداً من قلب الخرطوم، وتقود قاطرة التنوير والتنمية نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.